سهيلة عبد الباعث الترجمان

621

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

من الصور فلا يقيّده حكم ، ولا يحصره حدّ ولا رسم . فهو يظهر كيف شاء وبلا كيفية ، ويحتجب كما شاء بلا كيفية . وقوله بالتنزيه يعني انفراد القديم بأوصافه وأسمائه وذاته ؛ وقوله بالتشبيه لأن صور تجلياته وتعينات أسمائه وصفاته يظهر فيها الجمال الإلهي بانعكاس جمال الذات في مرائي الموجودات " « 1 » ولذلك قال في نفي المثلية عن اللّه : نزّه فهذا واجب للّه * لا الحاضرون دروا ولا اللاهي . . . ليس الإله بعبد كلا ولا * ناه بذات غير تناهي « 2 » . ويتفق في هذا الصدد مع ابن عربي في نفي المثلية عن الحق من حيث التنزيه حيث يقول في الفتوحات بنفي المثلية ، وقد شرح الجيلي قوله هذا في قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 3 » ، فهو يرى أنه ليس مثل الحق شيئا لأنه عين الوجود كله ، فلا تعدد للوجود ، إذن فلا تعدد للموجودات ، لأن الوجود على الحقيقة هو عين الموجودات ، فظهرت الواحدية ، وبظهورها بطنت الكثرة . . . " « 4 » وهنا يتفق مع المعتزلة الذين ينزهون الذات الإلهية عن صفات المخلوقات وأثبتوا أن ذات اللّه قديمة ، ونفوا عنه الصفات . وبهذا قاوموا فكرة التشبيه ووجود صفات زائدة على الذات ، بل إن صفاته عين ذاته واستندوا في ذلك إلى براهين عقلية وحجج منطقية « 5 » . على حين عرف الصوفية ذلك معرفة ذوقية بعيدة عن أثر العقل وعمل المنطق . وربما كان ما دعا المعتزلة إلى القول بنفي الصفات هو الدفاع عن العقائد الإسلامية بدحض مذاهب المشبهة والمجسمة ، كما أنهم كانوا يخشون أن يؤدي بهم القول بإثبات الصفات إلى جانب الذات أنها جواهر مستقلة أو أقانيم كما هو الحال عند النصارى « 6 » . وقد نفى الجيلي إمكان معرفة الذات وإدراك كنهها وماهيتها ، وذلك للتفاوت القائم بينها وبين الخلق ، فمعرفة ذلك إذن مستحيلة ، إنما الممكن هو معرفة حقيقة ذات العبد ومدى

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 37 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص . ص 13 - 14 . ( 3 ) سورة الشورى ، الآية : 11 ك . ( 4 ) الجيلي ، شرح الفتوحات المكية ، ورقة 13 ، ص ب . ( 5 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، دراسات في الفلسفة الإسلامية ، ص 63 . ( 6 ) المرجع السابق ، ص 63 .